Blog

All Blog Posts
Blog Post

ولد الهدى فالكائنات ضياء

08 Aug 2026 5 min read 600 words Arabic
Jafar Sa-Adi Achoor
Written by Jafar Sa-Adi Achoor

ما إن حلّ شهر الربيع حتى يدب دبيب البهجة والحبور والشوق إلى القلوب المؤمنة، ويثير فيها شرارة المحبة والهيام. ويشتد شوقهم إلى التنعم بتداول سيرته الشريفة والترنم بمديحه العطر، وينفذ الناس بهذه المناسبة كل نوع من التجهيزات الرائقة والاستعدادات المادية وذلك احتفالا بذكرى المولد النبوي الشريف على صاحبه ألف ألف تحية وسلام. حيث يتم تزيين المنازل والمساجد والمدارس بالأنوار والمصابيح الملونة تعبيرا عن الفرحة والابتهاج. وتقام مجالس المولد، تنشد فيها أبيات في المديح النبوي الشريف وتلقى الخطب عن السيرة النبوية صلى الله عليه وسلم.

ومما لا يختلف فيه اثنان أن الحبيب الأعظم محمد بن عبد الله صلى الله عليه وسلم كان شخصية عظيمة لا يلفى نظيره، ولا يدرك قرينه، ولا تفتح العين على مثله في التاريخ البشري، جاء رحمة للإنسانية جمعاء، ومنة إلهية كبرى على النوع البشري كله. ﴿ لَقَدۡ مَنَّ ٱللَّهُ عَلَى ٱلۡمُؤۡمِنِينَ إِذۡ بَعَثَ فِيهِمۡ رَسُولٗا مِّنۡ أَنفُسِهِمۡ...﴾

أرسله الله رحمة للعالمين جميعا حين كان العالم كله يتعطش إلى أمثاله، فبه هدى الله الإنسانية من الضلال، وأنار به الدروب، عفا عمن ظلمه، ووصل من قطعه وأعطى من منعه.. كان عزيزا عليه ما عنتت أمته، وحريصا عليها ورؤوفا بها ورحيما... ولم يأل جهدا في إرشادها وهدايتها إلى سبيل الرشاد، حتى كابد في سبيل ذلك عقبة كؤودا، وقاسى فيه نصبا ناصبا، (فَلَعَلَّكَ بَاخِعٌ نَفْسَكَ عَلَى آثَارِهِمْ إِنْ لَمْ يُؤْمِنُوا بِهَذَا الْحَدِيثِ أَسَفًا)..

ولم يكن فظا ولا غليظ القلب، ولا سخابا في الأسواق، ولا يدفع بالسيئة السيئة، ولكن يعفو ويغفر، ولن يقبضه الله حتى يقيم به الملة العوجاء، بأن يقولوا: لا إله إلا الله، ويفتح بها أعينًا عميًا، وآذانًا صما، وقلوبًا غلفًا.

ومن منا لا يدري أن العالم فيما قبل 14 قرنا كان يتخبط في ظلام البداوة والجهالة والقساوة، وكانت البشرية تهيم في أودية الجهالة وتتسكع في بيداء الغواية وتتيه في شعاب الضلالة، وكانت تلك الفترة من أحط أدوار التاريخ وأشدها ظلاما ويأسا من مستقبل الإنسانية وصلاحيتها للبقاء والازدهار. وكان قد ساد العالم كله وضع قاتم من البطش والاستبداد والظلم والجور والتعسف... والأقوياء قد انهمكوا في الغارات والحروب الدائبة الدامية.. وهانت عليهم إراقة الدماء الأبرياء.. ولم تكن المرأة في نظامهم إلا سلعة تباع ومتاعا يورث، وآلة تسكن شهواتهم البهيمية الهمجية...

وفي تلك الساعات العصيبة القارسة، وفي ذلك العالم الذي عمه الفوضى الفكرية والقلق النفسي، والبعد عن الحضارة والتمدن، والعزلة عن العلم والمعارف.. بعث محمد بن عبد الله صلى الله عليه وسلم لكي ينقذ الإنسانية جمعاء من عذاب كان يأكلها منذ قرون طويلة، ويبشرها بالنعيم المقيم في الفردوس العظيم، ويحذرها من عذاب أليم يوم القيامة إذا ما أعرضوا عن تعاليم الله وابتعدوا عن شريعته. قال تعالى ﴿يَأۡمُرُهُم بِٱلۡمَعۡرُوفِ وَيَنۡهَىٰهُمۡ عَنِ ٱلۡمُنكَرِ وَيُحِلُّ لَهُمُ ٱلطَّيِّبَٰتِ وَيُحَرِّمُ عَلَيۡهِمُ ٱلۡخَبَٰٓئِثَ وَيَضَعُ عَنۡهُمۡ إِصۡرَهُمۡ وَٱلۡأَغۡلَٰلَ ٱلَّتِي كَانَتۡ عَلَيۡهِمۡۚ فَٱلَّذِينَ ءَامَنُواْ بِهِۦ وَعَزَّرُوهُ وَنَصَرُوهُ وَٱتَّبَعُواْ ٱلنُّورَ ٱلَّذِيٓ أُنزِلَ مَعَهُۥٓ أُوْلَٰٓئِكَ هُمُ ٱلۡمُفۡلِحُونَ١٥٧﴾

فأخذ النبي صلى الله عليه وسلم بأيديهم إلى حضارة سامية راقية جليلة القدر، إلى حضارة جديدة أتاحت للإنسانية قانونا ربانيا خالدا، وأعادت إلى الإنسانية كرامتها وشرفها واسترد إليها قيمها، حتى تمكن أولئك الذين كانوا يعشون في البداوة والصلابة والفظاظة من حكم هذه البسيطة كلها أو جلها حقبة من الدهر، فساد في العالم العدل والنور والفضل والتسامح والشفقة والرحمة...

ومن تلك الحضارة التي شكلها النبي الأعظم صلى الله عليه وسلم قامت حضارة الأندلس التي تعلم منها ونهض بسببها العالمُ كله بما فيه أوروبا وأمريكا..

ففي هذه الفترة، حينما نعبر عن فرحنا وابتهاجنا خلال الاحتفال بالمولد النبوي الشريف فإنه من الواجب علينا أن نطبق التعاليم النبوية الكريمة على حياتنا في كل نواحيها، ونمثل تلك الأخلاق السامية التي اقتبسناها من مشكاة النبوة في كل حياتنا.

وينبغي أن يحتفل بالمولد النبوي الشريف كيوم الإنسانية، فإنه صلى الله عليه وسلم بعث رحمة للإنسانية جمعاء وجاء بالقانون الخالد الذي يشتمل على العدل والفضيلة لجميع الأفراد والمجتمعات البشرية حتى الحيوانات والجمادات، حيث أمرنا رسول الإنسانية صلى الله عليه وسلم بمعاملتهم بالرفق واللين.

WhatsApp Donate