Blog

All Blog Posts
Blog Post

جامعة السعدية العربية عنوان نهضة حديثة تعليمية New

11 Aug 2026 12 min read 1,548 words Arabic
Jafar Sa-Adi Achoor
Written by Jafar Sa-Adi Achoor

تاريخ مسلمي كيرالا اليوم يجري في اتجاه غير الذي كان يجري قبل خمسة عقود، نعم إن علمائنا قد غيروا مجرى تاريخ المسلمين في بلادنا، بفضل مجهوداتهم المضنية والتي بذلوها في سبيل رفع راية الإسلايم وغرس مبادئ الدين الإسلامي في أذهان الأمة من جديد ولإصلاح أحوالها وللوضع عنهم آصارهم والأغلال التي كانت عليهم.

وبفضل هذه الجهود الحثيثة شهدت ولاية كيرالا تقدما باهرا وتطورا ظاهرا في الحقبة الدينية والمجال العلمي، ومن أهم معالم هذه التطورات الملحوظة تأسيس المدارس الإسلامية والمعاهد الدينية والمؤسسات العلمية والجامعات الإسلامية في جميع أقطار كيرالا من أقصاها إلى أقصاها الآخر.

ويأتي في مقدمة هذه المعاهد والجامعات جامعة السعدية العربية بكاسركوت، كيرالا-الهند التي تأسس بأيدي علماء ربانيين ورجال الدين والعمل.

جامعة السعدية قد قطعت في مسيرتها العلمية والدعوية ونشاطاتها الخيرية والإنسانية خمسة عقود من الزمن. وخمسون سنة في صفحات التاريخ ربما لا يكون

«جامعة السعدية» كما ينبأ اسمها تجمع بين جنَباتها سعادتي الدنيا والآخرة حيث إنها تجمع بين القديم الصالح والجديد النافع مما تضمن للأمة المسلمة سعادة دنوية وأخروية، ويتفيأ ظلالها أكثر من سبعة آلاف طالب من مختلف أنحاء البلاد الهندية. وكانت السعدية قد ظهرت إلى النور عام 1971 إلا أنها كانت عبارة عن حلقة درس يلقى في بيت السخي المحسن عبد القادر الحاجي كلاترا، وكان الحاج يتمنى دائما أن تؤتي السعدية ثمارها اليانعة تحت إشـراف كوكبة من العلماء الذين صدقوا ما عاهدوا الله عليه والذين كانوا يتمسكون بمنهج أهل السنة والجماعة قلبا وقالبا، ولم ير أهلا لتولي معهده إلا الشاب اليافع النشيط العبقري الذي يحمل بين بردية عبقرية الكبار المجربين وفتوة الشباب اليافع، ألا وهو شيخنا الأستاذ أم.أى. فاقترب الحاج من الشيخ حرصا منه أن يتولاها هو والعلماء الذين ينتمون إلى جمعية العلماء، ولم يجد بدا من أن يلبي طلبه ويتولي إدارة السعدية.

وبعد أن تولى الأستاذُ الفاضل الشاب الناشط المفكر عبد القادر عبد الله زمامَ أمر السعدية أصبح تاريخها يسير في مجرى أخرى، وطفقت تتقدم وتترقى يوما بعد يوم لتصبح دوحة طيبة كبيرة أصلها ثابت وفرعها في السماء، تؤتي أكلها كل حين بإذن ربها..

حاليا تضم جامعة السعدية العربية مختلف الشعبات العلمية فيما بين الدينية والعصرية والتقنية. وحرم الجامعة التي تقع في قرية «ديلي» (سعدآباد) بعيدا عن مدينة كاسـركوت بستة كيلومترات يحتوى على 19 معهدا علميا مثل دار الأيتام للبنين، وكلية الشريعة وكلية الآداب والفنون، ودار تاج العلماء للإدارة، والمسجد الجامع، ومدرسة تحفيظ القرآن، وكلية الدعوة التابعة لمناهج جامعة الهند الإسلامية، والمدرسة السكنية، ودار الأيتام للبنات، ودار المساكين للبنين، والمدرسة العصرية الملايالمية، والمدرسة العصرية الكندية، والمدرسة الثانوية العليا الإنجليزية، وروضة الأطفال الإنجليزية، ومؤسسة السعدية للتكنولوجيا، ومعمل الكمبيوتر، ومعهد تدريب الحرف اليدوية، ومعهد تدريب الخياطة، والمكتبة العامة التي تضم ذخيرة علمية كبيرة وخزانة فكرية عظيمة قلما يوجد نظيرا لها في الديار المليبارية.

ويدرس في هذه المعاهد ما بربو على خمسة آلاف طالب، إضافة إلى تلك المعاهد التي يحتويها حرم الجامعة تعمل تحت إشراف وإدارة الجامعة عدد من المعاهد خارج الحرم الجامعي، منها كلية الآداب والعلوم بـ«كولييادوكا» ومدرسة صفا الثانوية بـ«كوتيكول» ومركز الدراسات الإسلامية في «دونكري» بممباي، ومركز السعدية بـ«وديانغار» والمدرسة السعدية بدُبي.. ومن أهم ما تتميز به السعدية عن أخواتها من المعاهد أنها وفقت لأن تترأس من قبل بركة الديار الملبارية تاج العلماء السيد عبد الرحمن البخاري رحمه الله منذ نشأتها إلى أن لحق شيخنا بجوار ربه.

وكان الأستاذ أم. أى هو الذي جعل السعدية ترتقي إلى هذا الأوج من الكمال ببذل كل ما في وسعه من جهد جهيد، وكان قد وقف حياته للترقية بالأمة دينيا ودنيويا، ولم تكن جامعة السعدية إلا نتيجة من نتائج فكراته التعليمية، وثمرة يانعة من ثمار أنشطته الإصلاحية.

وها هي ذي جامعة السعدية العربية تحتفل بعيدها اليوبيل الذهبي بعد أن قطعت خمسة عقود من البذل والعطاء وخلق جيل واع متبصـر يزينه العلم والأدب... وقد تخرج فيها عدد كبير من العباقرة والنوابغ من العلماء الذين يقدمون خدمات مثالية في المجال الديني كمدرسين وأئمة المساجد ودعاة إلى الله تبارك وتعالى.

لكن هذه الاحتفالات ينقصها شيء عظيم، ألا وهو غياب رائدها وقائدها وبانيها سماحة الشيخ مولانا الأستاذ نور العلماء أم. أى. الذي سهر في ازدهارها ونضجها، وواصل أيامه لياليه. الأستاذ أم.أى. عنوان يعرفه كل من عاش في كيرالا في القرن الجاري والنصف الأخير من القرن الماضي هو الآخر، حيث ترك الإمام نور العلماء الشيخ عبد القادر آثارا جليلة ينبغي الاحتذاء بها، ويعد وداعه رحمه الله خسارة فادحة وثلمة ساسعة ألمت بالأمة الإسلامية وخاصة أهل السنة والجماعة بكيرالا، حيث قضى نحبه بعد حياة حافلة بالتضحيات في سبيل إعلاء كلمة الله وفي سبيل الترقية بالأمة ماديا ومعنويا وعلميا وثقافيا..

ولا يخفى على أحد لديه أدنى وعيٌ عن تاريخ كيرالا الحديثة وعن ماضيها وحاضرها ما للشيخ نور العلماء مِن دور بارز في تثقيف الجيل الجديد بالثقافة الإسلامية، وليس دوره في تهذيب وتطوير الأمة ونشاطاته التعليمية منحصرة فقط وسط جدران جامعة السعدية العربية التي أنجبت أجيالا من المتثقفين والدعاة وخدمة الدين. وهو الذي بذر بذور فكرة نظام المدرسة الأساسية لتتفجر في ديار كيرالا وتتنشر في كل أرجائها يوم لم يكن أحد يجرأ لمثل هذه الفكرات.

ومن الحقيقة الباهرة أن سماحته رحمه الله قد بخل الزمان أن يجود بأمثاله حيث كان رجلا قد قيضه الله للنهضة بهذه الأمة وإن الله يبعث لهذه الأمة على كل قرن من يجدد لها دينها، ولد رحمه الله وتربى في أسرة ملءها العلم والأدب والتقوى وروح إيماني، ومنذ صغره كان مما يؤرقه وضع الأمة الإسلامية المتخلف علميا وعمليا، ورأى الأمة التي رفع الله شأنها وأجل قدرها تتخبط في بؤرة الجهالة وتعيش بعيدا عن تعاليم الدين الحنيف، وأدك أن أمته قد أشرب في قلوبها حب الدنيا والسعي وراء الماديات والحضارة المستوردة من الغرب. وليس شيء يدفعها إلى هذه الحالة البائسة المثيرة للقلق والدهشة والتي تنشق لها أفئدة من يهمه أمر هذه الأمة ويجمع في قلبه الأمة الإسلامية بأسرها. ويرى كذلك أن أمته قد وزعتها التيارات الفكريات الراديكلية والمبتدعة والشيوخ الزائفين الذين يعبثون بالدين الإسلامي والإسلام منه بريء. ولم يلبث شيخنا أن شمر ساعديه وأعد العدة ما استطاع لاسترداد المسلمين إلى حقيقة التعاليم الإسلامية وجمعِ كلمتهم وتوعيتهم وتبصيرهم.

ولم تكن في القارة الهندية قبل العقود الستة المنصرمة مدارس إسلامية متبعة لمنهج متكامل ونظام خاص، بل ولم يكن ذلك بحسبان أحد في تلك الأيام. فطفق فقيدنا الغالي الشاب آنذاك يفكر في تأسيس المدارس الإسلامية في طول كيرالا وعرضها على نظام موحد متبعة لمنهج متكامل موحد، وهذه الفكرة هي التي أنتجت المدارس الإسلامية التي يتمتع بها أهل كيرالا منذ ستين عاما مضى...

كان رحمه الله رجلا عرف قيمة الوقت، ولقد سمعنا هذا عن الكثيرين، ولكنا عشنا هذه الظاهرة في حياته، وأنا أذكر، ذات يوم حين كُنَّا دارسين في دورة التخصص بجامعة السعدية، تأخرنا عن حصة شيخنا بخمس دقائق، وكنتُ أنا الذي يحضر للفقيد بكتابه من غرفته. ولكني لم أتجاسر أن أدخل غرفته اليوم، حيث أن عرفت أننا تأخرنا خمس دقائق ولعل الشيخ يستاء لهذا الأمر !! فأذنت لأخي عبد الغفور السعدي لإحضار الكتاب من غرفته، وما إن دخل غرفته حتى غضب عليه الشيخ على التأخر، ودخل غرفة صفنا وهو غاضب ويقول : لا يمكنكم أن تقدموا أقدامكم ولو خطوة يوم غد في أرض المحشر دون أن تجيبوا الله كيف قضيتم لحظاتكم، وأنتم سوف تكونون مسؤولين عن كل لحظة تمر علكيم... ونبهنا عن قول الحبيب الأعظم ض : لا تزول قدما عبد يوم القيامة حتى يسأل عن عمره فيم أفناه ؟...

وذات يوم - وكنا طالبين في السنة الأولى للبكالويا بجامعة السعدية - وكان الأستاذ رحمه الله قد شد رحله إلى ترفاندرم لبعض الحاجيات الرسمية التي تخص الجامعة، وحضر الشيخ من رحلته وقد بقي من حصته لنا 20 دقيقة، ولم يدخل سماحته الغرفة بل باشر إلى قاعة الصف، وليس في القاعة إلا بعض الطلبة المعدودة، ثم استدعى الآخرين وباشر محاضرته.. رحمه الله رحمة واسعة.. والجدير بالذكر أن الشيخ كان قد نيَّف الثمانين من عمره آنذاك، ولم تظهر في طلعته البهية أو جسمه الشريف آثار التعب الذي تركته هذه الرحلة الشاقة رغم كبر سنه.

وقد لاحظتُ هذا الالتزام والمحافظة على تنظم الوقت على مدى حياته الحافلة بالوقائع والدعوة ونشر العلم الشريف وتوجيه الأمة إلى الجادة.

وكان إذا حضرته الصلاة لا يمنعه من الحضور في الجماعة أي شيء، حتى لو كان وزير من الوزراء ينتظره للقاء!!

وذات مرة خرجت في معية أخينا في الله فيصل الأحسني الألييل، للقاء الشيخ بخصوص مجلة «مركز العلوم» الصادرة عن اللجنة الطلابية في جامعة مركز، فكان أنسباء المجلة قد اتصل بالشيخ بخصوص تحديد موعد اللقاء، فصادف أن كان ذلك الاتصال به بعد المغرب.. وما كنتُ أعلم بهذا الاتصال.. وكان رحمه الله لا يرفع الموبايل ولا يتصل بأحد من خلق الله بعد المغرب، لأنه وقت قد خصه الشيخ لله، ولما وصلت أنا وفيصل الأحسني الأليل إلى بيته المتواضع، سألني هلا تعلم أني لا أتكلم مع أحد بعد المغرب؟ ثم كيف حلى لكم أن تتصلوا بي بعد المغرب ؟ ولم نفرج عن كلمة..

وهذا إن دل على شيء فإنه يدل على أن الشيخ كان له حالة خاصة مع ربه في أوقات معينة لا يتعامل فيها إلا مع ربه...

ومن أعجب ما لاحظتُ فيه أن الشيخ كان يمتلك ذاكرة قوية يتذكر كل شيء مع تاريخه.. ولم تزل تلك الذكريات تصاحبه ولم يصبه اضمحلال حتى لحق بجوار ربه.

كان يصف لنا أيام أنشطته الدعوية بكل وضوح وبكل دقة مما يحملنا على الدهشة على قوة ذاكرته.

وكان آخر عهدي به مباشرةً يوم أن قمت بزيارته في معية وفد هيئة التعليم بخصوص المناهج التعليمية في المدارس الإسلامية الابتدائية، وكان الشيخ حين وصلنا إلى داره يتحنث في غرفة خاصة بالعبادة في بيته، ولم يلبث أن خرج إلينا وهو أسير الأمراض قد أتعبتْه السنون، فجعل البروفيسر عبد الحميد يُعرِّفُه بكل واحد من الوفد ( أو يجدد معرفته).. حتى قال مشيرا إليَّ هذا جعفر السعدي.. هو عضو جديد في إدارة المناهج للهيئة... وما إن التفت إليَّ حتى قال : أليس هذا جعفرنا؟

قد رحل عنا شيخنا ونحن في أشد الحاجة إليه وإلى أمثاله.

رحمه الله رحمة الأبرار، وتغمده بواسع غفرانه، وأسكنه فسيح جناته.. ورحمنا معه ومن كانوا لنا هاديين مهديين... وجمعنا معه في فردوسه الرفيع.

WhatsApp Donate