Blog

All Blog Posts
Blog Post

"دع الـمعاجيل لطمل أرجل" New

11 Aug 2026 10 min read 1,327 words Arabic
Jafar Sa-Adi Achoor
Written by Jafar Sa-Adi Achoor

لا بد لنا من تسليم قضاء الله الـمحتم وقدره .....، إن لله ما أخذ وله ما أعطى وكل عنده بأجل مسمى... فلنصبر ولنحتسب.... ولا يبقى إلا وجه ربنا ذي الجلال والإكرام، فسبحان الحي الدائم الذي لا يموت أبدا..

وكلنا يوقن بأن الـموت أمر محتوم كتبه الله على بني آدم، ولا ينفلت من قبضته الجبارة أحد، ولا ينجو منه إنسان.

ونوقن بأن لكل الناس أجل محتوم، ووقت معلوم، لا يتقدمون عنه ولا يتأخرون، فلا مفر من الـموت.. غير أن الفاجعة حينما تكون في عالم من علماء الأمة وقائد من قوادها ورائد من روادها الذي له وزن ثقيل وصاحبِ فكر تنويري وصاحب مدرسة تُخرجُ أجيالا تخدم العباد والبلاد.. كشيخنا الفقيد الغالي معلم الجيل وقائد الأمة سماحة الأستاذ نور العلماء العلامة النحرير الشيخ عبد القادر عبد الله رحمه الله، فإن هذه الفاجعة تكون مضاعفة.. ولقد كان رحمه الله أبرز العلماء الذين يبخل الزمان أن يجود بأمثاله، لا يخاف في الله لومة لائم، يصدع بالحق الذي علمه كائنا من كان خصمه، وكان مضرب المثل في التقوى والصلاح والزهد، وراغبا فيما عند الله عما عند الناس.

عندما تم انتخابه رحمه الله ريئسا لجمعية كبار العلماء في كيرالا، كان يمثل أكبـر عضو في الجمعية سنا وتجربة، حيث كان سمـاحته قد انتخب كعضو مدعو في جمعية العلماء منذ سنة 1947 ولم يتجاوز عمره عن 22 سنة.. ويعتبر مربيا للجيل حيث يعود إليه فضل الحركات الـمدرسية والنهضة العلمية الحديثة التي شهدتها ربوع كيرالا منذ عقود ستة منصرمة.. وكان ليَرَاعِهِ الـميمون فضلٌ كبير ودورٌ بارز في تنظيم وتنفيد فكراته الثاقبة وخيالاته الطماحة.

وله اليد الطولى والسابقة الأولى في مجال الدعوة الإسلاميّة ةنشر العلوم الشرعية بين أبناء الأمة المسلمة في أرض كيرالا، وهو صاحب فكرة "الجمع بين القديم الصالح والجديد النافع"، وقد تخرج على يده آلاف من عباقرة العلماء وأعيان الفكر، وكان صراحا في مواقفه يُبدي رأيه الحاسم الخالد أمام الجميع دون مجاملة ولا مداهنة، وكان ثابتا فيما يقول، متمسّكا فيما يعتقد، وكان أكرهَ شيء إليه التلاعبُ بأمور الدين.

موت العالم لخسارة فادحة تصيب الأمة، لأن العلم هو حياة الإسلام وعماد الدين، وقد جاء في الحاديث الصحيحة عن النبي ض « إن من أشراط الساعة أن يرفع العلم، ويَثْبت الجهل.... » (متفق عليه) وجاء أيضا « إن بين يدي الساعة أياما، يرفع فيها العلم، وينزل فيها الجهل... » (متفق عليه).

ورفع العلم ليس إلا بموت العلماء.. وجاء في حديث متفق عليه « إن الله لا يقبض العلم انتزاعا، ينتزعه من العباد ولكن يقبض العلم بقبض العلماء حتى إذا لم يبق عالما، اتخذ الناس رءوسا جهالا، فسئلوا، فأفتوا بغير علم، فضلُّوا وأضلُّوا».

وإذا مات العالم انثلم في الإسلام ثُلمة، لا يسدُّها شيء إلى يوم القيامة، وحكي عن عبد الله بن مسعود ا أنه قال: موت العالم ثلمة في الإسلام، لا يسدها شيء ما اختلف الليل والنهار.

فالعلماء رحمة من الله تعالى تنير للناس سبيل الرشاد ولهم قدرهم الرفيع بين أهل السماوات والأرض.

وقد بلغني وفاة هذا القائد العظيم والبطل الجليل وكنتُ في قاعة المحاضرات بــ IHRAM أُدَرِّبُ بعضَ محبِّي اللغة العربية على التكلم بالعربية الفصحى، ما إن علم الحاضرون نبأ وفاة مربيهم ومعلمهم حتى ساد القاعة سكون من الحزن والكآبة.. وتجرعتُ كأس اللوعة القارسة..

ولم يلبث أن جالت في ذاكرتي تلك الذكريات التي مضت..

لقد طالما سمعتْ أذناي كثيرا عن هذا البطل الشـجاع.... رحمه الله غير أني لم أُوفق أن أعرفه عن كثب إلا في أواخر التسعينات في القرن الـماضي، بعد أن التحقتُ بجامعة السعدية العربية...

ولقد رأيت بأُمِّ عينيَّ تلك الحياة الطيبة التي أنارت دروب الأمة.

كان رحمه الله رجلا عرف قيمة الوقت، ولقد سمعنا هذا عن الكثيرين، ولكنا عشنا هذه الظاهرة في حياته، وأنا أذكر، ذات يوم حين كُنَّا دارسين في دورة التخصص بجامعة السعدية، تأخرنا عن حصة شيخنا بخمس دقائق، وكنتُ أنا الذي يحضر بكتاب الفقيد من غرفته. ولكني لم أتجاسر أن أدخل غرفته اليوم، حيث أن عرفت تأخرنا خمس دقائق ولعل الشيخ يستاء هذا الأمر !! فأذنت لأخي عبد الغفور السعدي لإحضار الكتاب من غرفته، وما إن دخل غرفته حتى غضب عليه الشيخ على التأخر، ودخل غرفة صفنا وهو غاضب ويقول : لا يمكنكم أن تقدموا أقدامكم ولو خطوة يوم غد في أرض المحشر دون أن تجيبوا الله كيف قضيتم لحظاتكم، وأنتم سوف تكونون مسؤولين عن كل لحظة تمر علكيم... ونبهنا عن قول الحبيب الأعظم ض : لا تزول قدما عبد يوم القيامة حتى يسأل عن عمره فيم أفناه ؟....

وذات يوم - وكنا طالبين في السنة الأولى للبكالويا بجامعة السعدية - وكان الأستاذ رحمه الله قد شد رحله إلى ترفاندرم لبعض الحاجيات الرسمية التي تخص الجامعة، وحضر الشيخ من رحلته وقد بقي من حصته لنا 20 دقيقة، ولم يدخل سماحته الغرفة بل باشر إلى قاعة الصف، وليس في القاعة إلا بعض الطلبة المعدودة، ثم استدعى الآخرين وباشر محاضرته.. رحمه الله رحمة واسعة.. والجدير بالذكر أن الشيخ كان قد نيَّف الثمانين من عمره آنذاك، ولم تظهر في طلعته البهية أو جسمه الشريف آثار التعب الذي تركته هذه الرحلة الشاقة رغم كبر سنه.

وقد لاحظتُ هذا الالتزام والمحافظة على تنظيم الوقت على مدى حياته الحافلة بالوقائع والدعوة ونشر العلم الشريف وتوجيه الأمة إلى الجادة.

وكان إذا حضرته الصلاة لا يمنعه من الحضور في الجماعة أي شيء، حتى لو كان وزير من الوزراء ينتظره للقاء!

وذات مرة خرجت في معية أخينا في الله فيصل الأحسني الألييل، للقاء الشيخ بخصوص مجلة "مركز العلوم" الصادرة عن اللجنة الطلابية في جامعة مركز، فكان أنسباء المجلة قد اتصل بالشيخ بخصوص تحديد موعد اللقاء، فصادف أن كان ذلك الاتصال به بعد المغرب.. وما كنت أعلم بهذا الاتصال.. وكان رحمه الله لا يرفع الموبايل ولا يتصل بأحد من خلق الله بعد المغرب، لأنه وقت قد خصه الشيخ لله، ولما وصلت أنا وفيصل الأحسني الأليل إلى بيته المتواضع، سألني هلا تعلم أني لا أتكلم مع أحد بعد المغرب؟ ثم كيف حلا لكم أن تتصلوا بي بعد المغرب؟ ولم نفرج عن كلمة...

وهذا إن دل على شيء فإنه يدل على أن الشيخ كان له حالة خاصة مع ربه في أوقات معينة لا يتعامل فيها إلا مع ربه...

وذات يوم - كان يوم الأربعاء ( يوم اجتماع الطلبة) - خرجنا من المسجد بعد صلاة المغرب جماعةً طلبتُ من صديقي أسلم (السعدي) كريفور أن يشتري لي الشاي، وكنت طلبت منه دون أن آمل ردا جميلا، أعني ممازحا، فقبل طلبي وخرجنا إلى المقهى القريب، وحين كنا نشرب الشاي مع وجبة خفيفة فاجئَنا عبد السليم العامل الخادم في السعدية وكان مبعوثا من قبل الشيخ ليلقي القبض على من يهيم دون الحضور في الجماعة، فألقى القبض علينا، وقال لنا : الأستاذ ام اى يدعوكم وهو الذي بعثني إليكم لعدم حضوركم في الجماعة، وقلنا حضرنا الجماعة، ثم حضرنا الشاي...

أخيرا مثلنا أمام الشيخ ونحن مرتجون لأننا في أول مرة في حياتنا نقوم أمام هذا الشيخ الكبير في قفص الاتهام!! وسألَنا بكل هدوء عن سبب وجودنا في المقهى في هذا الوقت، وعن عدم الحضور في الجماعة فبينا له سبب وجونا فيه، وأننا كنا حاضرين في صلاة الجماعة، ثم خرجنا من وراء بناء دار الأيتام إلى المقهى.. فقال رحمه الله: لا ضير في تناول الشاي، ولا أنهاكم هنه، فهو من حاجيات كل إنسان لكن لماذا اخترتما الطريق الورائي المعجل؟ وهذا من دأب اللصوص !! ما لكما لو خرجتما إلى المقهى من الطريق العادي؟ هل يمنعكما أحد؟ وكانت نبراته يمزجها شيء من الشدة. وحينئذ تذكَّرتُ في نفسي المثل السائر الذي يقول "دع الـمعاجيل لطمل أرجل"...

التزمنا الصمت، ولم ننبس ببنت شفتينا..

ولم نزل حتى أرسلنا بكل حنان، بعد أو أوصانا ببعض الوصايا....

ومن أعجب ما لاحظتُ فيه أن الشيخ كان يمتلك ذاكرة قوية يتذكر كل شيء مع تاريخه.. ولم تزل تلك الذكريات تصاحبه ولم يصبه اضمحلال حتى لحق بجوار ربه..

كان يصف لنا أيام أنشطته الدعوية بكل وضوح وبكل دقة مما يحملنا على الدهشة على قوة ذاكرته..

وكان آخر عهدي به مباشرة يوم أن قمت بزيارته في معية وفد هيئة التعليم بخصوص المناهج التعليمية في المدارس الإسلامية الإبتدائية، وكان الشيخ حين وصلنا إلى داره يتحنث في غرفة خاصة بالعبادة في بيته، ولم يلبث أن خرج إلينا وهو أسير الأمراض قد أتعبتْه السنون، فجعل البروفيسر عبد الحميد يُعرِّفُه بكل واحد من الوفد ( أو يجدد معرفته).. حتى قال مشيرا إليَّ هذا جعفر السعدي.. هو عضو جديد في إدارة المناهج للهيئة... وما إن التفت إلي حتى قال : أليس هذا جعفرنا ؟

قد رحل عنا شيخنا ونحن في أشد الحاجة إليه وإلى أمثاله.

رحمه الله رحمة الأبرار، وتغمده بواسع غفرانه، وأسكنه فسيح جناته.. ورحمنا معه ومن كانوا لنا هاديين مهديين... وجمعنا معه في فردوسه الرفيع.

WhatsApp Donate